fbpx skip to Main Content
القائمة الرئيسية
مدرسة ابن سينا وريادة التعليم الأهلي  في تشاد

مدرسة ابن سينا وريادة التعليم الأهلي في تشاد

مقدمة

يتناول هذا البحث دور التعليم الأساسي الجيد في رفع كفاءة التلاميذ باعتبارها قضية أساسية لنهضة الشعوب والمجتمعات، حيث أدت الأمية المجتمعية إلى تقلص نسبة المنتسبين إلى المدارس وتفشي الجهل، ويستلهم البحث تجربة منظمة الدعوة الإسلامية في إدارة إحدى أهم وأنجح المدارس الأساسية في جمهورية تشاد، وبصفتها مدرسة تقدم تعليمها باللغتين الرسميتين العربية والفرنسية وإن كانت الأخيرة أكثر حضورا من الأولى، نسعى في هذه الورقة سرد أبرز العوامل التي أدت إلى نجاح مدرسة ابن سينا في التجربة التربوية والتعلمية، ونفرض الفرص المتاحة للاستثمار المعرفي والتعليمي في جمهورية تشاد عبر تكوين مدارس نموذجية إذ ينتقل الطالب إلى المرحلة الجامعية وهو في مستوى جيد من التحصيل الأكاديمي.

لم يكن يدور في خلد رجل الأعمال اليمني هائل أنعام سعيد رحمه الله وهو في جبال تعز أن بناء مدرسة ابتدائية في تشاد ستغير عددا من الأفكار السلبية وستحدث تطويرا في عملية البناء المعرفي والإعداد الأكاديمي بعد فترة طويلة من الصراع السياسي، فقد أصبحت تلك المدرسة التي بنيت في التسعينات أحد أبرز المدارس التعليمية في تشاد، وقد حازت عدة مرات على لقب أفضل مؤسسة على مستوى مدارس العاصمة، تتخذ المدرسة من منطقة أم رقيبة في الدائرة الرابعة مقرا لها، فهي تجاور جامعة الملك فيصل ولها قسم يختص بتعليم البنات يسمى بمدرسة حمدان بن راشد آل مكتوم، وتم إنشاء روضة أطفال خاصة في عام 2014 ولا تزال تقدم رسالتها التربوية عبر معلمين أكفاء، وتعتبر محطة تعلن منها وزارة التربية الوطنية انطلاق بداية السنة الدراسية عدة مرات، ومما يميز المدرسة بصورة أكثر إيجابا  تقديمها للمواد الإسلامية كجزء أساسي للتعليم مما أدى إلى انعكاس السلوك الإيجابي في أخلاقيات طلاب المدرسة ونالت بذلك سمعة جيدة وحميدة وتفوقت بذلك على مثيلاتها من المدارس في أنجمينا.

تاريخ التعليم الأهلي في تشاد

يذكر (الباحث) عبدالله بخيت صالح  أن بداية تاريخ التعليم العربي في تشاد كان عبر الحلقات الدينية في مناطق مختلفة من الأراضي التشادية، وتعود بداية تلك الفترة إلى زمن الاستعمار الفرنسي عام 1911 وبداية عهد الاستقلال 1960 في عدة مدن كمعهد أم سويقو الإسلامي للشيخ عليش عووضة في أبشة ، ومدرسة الشيخ القوني دريدمي و مسجد النور الحرزاية و جامع الملك فيصل في أنجمينا وغيرها لرواد التعليم العربي والإسلامي في تشاد ، إذ كانت معظم المدارس تدرس المواد الدينية واللغة العربية والحساب، وقد أنجزت تلك المدارس في تخريج جيل يملك ناصية اللغة العربية والشريعة الإسلامية ولكنه لم يكن متمكنا في الانخراط في الوظائف الحكومية لذلك اضطر عدد كبير من طلبة المدارس الأهلية العربية في الستينيات والسبعينيات إلى أحد أمرين :

إما الالتحاق بالثانويات الحكومية التي تدرس مناهجها باللغة الفرنسية تحت مسميات أكثر لباقة كالمدرسة الفرنسية العربية في أبشة.

أو مواصلة الدراسات الإسلامية والعربية حتى نهاية المرحلة المقررة من المدرسة وإنشاء معهد أو حلقة إسلامية يواصل فيها طالب العلم تدريسه وتعليمه للمجتمع الذي يسكن فيه، وقام بعض خريجي تلك الحلقات الدعوية بافتتاح مدارس معاصرة في العاصمة أنجمينا وتعد فترة الثمانيات محطة مهمة للتعليم الأهلي في تشاد حيث افتتحت عدة مدارس بارزة مع دخول المنظمات الإسلامية تلك الفترة أبرزها مدرسة المركز الكويتي التي بناها المحسن الكويتي عبدالرحمن السميط عبر لجنة مسلمي أفريقيا.

منظمة الدعوة الإسلامية وثانوية ابن سينا

تأسست منظمة الدعوة الإسلامية عام 1980 ويوجد مقرها بالخرطوم ولديها أربع مكاتب رئيسية في كل من قطر والبحرين واليمن والإمارات ،وتجعل المنظمة من أهم أهدافها نشر الإسلام، وترسيخ قيم التسامح والتعايش، إلى جانب دعم وإغاثة المحتاجين، وتشجيع المبادرات المحلية في التنمية والبناء وتلخص المنظمة أهدافها الاستراتيجية في “نشر الإسلام عقيدة وشريعة في أوساط غير المسلمين وترشيد الجماعات المسلمة من أجل تنمية الشخصية المسلمة القادرة على فهم عقيدة التوحيد، والتعبير عن معانيها العميقة في الحياة الفردية والاجتماعية”، إلى جانب نشر وترسيخ قيم التسامح بين المسلمين وأصحاب الديانات الأخرى.

كما ترى منظمة الدعوة الإسلامية أن من أهدافها توجيه وتطوير الجماعات المسلمة وفقا لتعاليم القرآن والسنة باعتبارهما “معيارين موحدين للفكر والشعور والممارسة الإسلامية”.

ومن أهدافها كذلك المشاركة في التنمية الاجتماعية والرعاية الصحية للجماعات المسلمة.

وتؤكد المنظمة أن تحقيق هذه الأهداف يتم من خلال إنجاز دراسات علمية ميدانية للاطلاع على الواقع بغرض وضع خطط لنشر الدعوة الإسلامية منسجمة مع متطلبات الميدان، إلى جانب تقوية العلاقات مع الأفراد والمؤسسات العاملة “في نشر الدعوة والتنمية الاجتماعية في أفريقيا وغيرها”.

وتعمل منظمة الدعوة الإسلامية على تحقيق أهدافها من خلال إنشاء مؤسسات تعليمية وصحية ونواد وغيرها من المنظمات الاجتماعية والاقتصادية، بالإضافة إلى طبع الكتب والدوريات ونشرها.

مدرسة ابن سينا ريادة وعطاء

تعد مدرسة ابن سينا أحد تلك الصروح التي شيدتها منظمة الدعوة الإسلامية عام 1996 وكانت في البداية للمرحلة الابتدائية فحسب ومع مرور الزمن والإقبال الكبير تم افتتاح المرحلة المتوسطة والثانوية لاحقا، وتعمل المدرسة على غرس القيم الإسلامية الحميدة وتأهيل أبنائها على الصدق والأمانة وتحمل المسؤولية وبعد أكثر من عقدين من العطاء العلمي يرى الأستاذ محمد أحمد مكي

( محاضر متعاون في جامعة شاه علم بماليزيا وأحد خريجي مدرسة ابن سينا في تشاد عام 2003 ): أن المدارس الإسلامية حققت عددا من الإنجازات في تعليم أبناء المسلمين والمهتدين أصول المعرفة الإسلامية وخلقت فرصا وظيفية للدعاة لممارسة مهنة التدريس والتعليم، ويضيف بأن مشروع المدارس الإسلامية كان حاضرا بقوة وعائقا ضد التنصير في فترة التسعينات وبداية الألفية خصوصا ضد المدارس الإنجيلية الأجنبية التي كانت تستقطب الطلبة المسلمين بحجة كفاءة معلميها ومناهجها التعليمية، وكذلك البيئة التربوية الجيدة المناسبة في عدم الاختلاط الذي تعاني منه  المدارس الفرنسية.

وتشرف على المدرسة إدارة خاصة من موظفي وزارة التربية الوطنية التشادية ومتعاونين مع منظمة الدعوة الإسلامية في شئون التعليم يعملون من أجل كفاءة الطلبة في المواد الدينية والعلمية والأدبية، وتحتوي المدرسة على قسم مستقل للتعليم الأساسي ( الابتدائي) إذ يدرس الطالب في القسم الابتدائي 6 ست سنوات كاملة يتعلم فيها المواد الأساسية في اللغة الفرنسية والعربية والعلوم والرياضيات ويتلقى شطرا من التعليم الديني في حفظ وتجويد القرآن الكريم، أما المرحلتان الإعدادية والثانوية فإنهما تقدمان لمنتسبيها أنشطة صفية  الاال

اليستلاعيانرهلاكتشاف مهارات أبنائها مبكرا ويتم تطويرهم من أجل دخول امتحانات الشهادة الثانوية في المساق العلمي / رياضيات أو علمي / أحياء أو التخصص الأدبي وبفضل منهج الاعتماد على طلبة المدرسة حققت ابن سينا نتائج متميزة في الشهادة الأساسية والثانوية منذ تأسيسها كما أننا سنسرد أسباب تفوق مدرسة ابن سينا على مثيلاتها من المدارس الثانوية.

وتتضح أن أبرز العوامل التي أدت إلى نجاح مدرسة ابن سينا هي:

استقلالية إدارة المدرسة في اختيار التلاميذ والمعلمين إذ تتم عملية الاختيار بشفافية عالية ومصداقية كبيرة. الاعتماد على منهج لتخريج أقل عدد من التلاميذ على أكبر قدر من الكفاءة إذ تتسم العملية التربوية في ابن سينا على الكيفية لا الكمية.

حضور المنهج التربوي الإسلامي في المقررات الدراسية وهذا يعكس الصورة الايجابية للشخصية المسلمة التي يجب أن تكون نبراسا للخير والعمل والإتقان.

وجود الأنشطة التي تؤهل التلاميذ في رفع الكفاءات وبناء المهارات وتنمية القدرات. وجود المنافسة بين الطلبة إذ عادة ما يكون التنافس قويا بين التلاميذ بسبب تقارب المستويات.

تطوير المناهج التربوية وربطها بواقع المجتمع كما أن التقييم المستمر للعملية التربوية تحظى بأهمية كبيرة لدى إدارة المدرسة.

تشجيع المبدعين وحثهم على التفوق العلمي بما يناسب قدراتهم المعرفية والعلمية وتأهيل المتفوقين للحصول على المنح الوطنية ليساهموا فيما بعد في خدمة الوطن والمجتمع.

فرص الاستثمار المعرفي في تشاد 

وفي ختام هذه الورقة نشير إلى الفرص المهمة المواتية للاستثمار المعرفي عبر افتتاح المدارس النموذجية والمعاهد التكوينية والجامعات، إذ أن المجتمع التشادي متعطشا للمعرفة وهناك إقبال كبير للدراسة الإبداعية ومن خلال الفرص المتاحة نجد أن الحاصلين على الشهادة الثانوية تستوعب الجامعات التشادية  منهم نسبة 35% على حسب إحصائية الهيئة الوطنية للامتحانات والمسابقات العليا وتلك نسبة ضئيلة للغاية، فالمجتمع بحاجة ماسة للمدارس والتعليم الأكاديمي الجيد النافع، وهذا لا يتأتى إلا بالمشاريع التعليمية المهمة وقد نجحت عدة تجارب استثمرت في المعرفة والتعليم.

وكما قال حسب الله مهدي فضلة في قصيدته إلى شباب تشاد:

فإن العلم في الدنيا سلاح         إذا هم العداة بنا وصاحوا

نشيد به عرينا لا يباح            به نرقى إلى أوج الكمال           

بقلم المشارك : سعيد أبكر أحمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back To Top